expr:class='"loading" + data:blog.mobileClass'>

الجمعة، 23 أكتوبر 2015

الأحد، 13 سبتمبر 2015

حديث الغُرف المسكونة

يأتيني صوت ضحكته الساخرة أثناء حديثه في الهاتف...

هذه ليست خاطرة

قشور الفستق السوداني مكوّمة فوق بعضها في علبة بلاستيك شفافة استعملتها كأناء،  تذكرني بصورة أجساد عارية لضحايا أحد معسكرات الاعتقال النازية.
عوراتهم مكشوفة للهواء و الذباب و لكاميرات التصوير.

هذه ليست خاطرة

عم بتشتي بمونتريال
تشتي :فعل تمطر،  لكني لا أستعمله إلا لوصف المطر الخفيف الشبيه بالرذاذ المنبجس من ثقبٍ صغيرٍ في خرطوم مياه السقي في الحديقة فيفاجئك ببرودته و وجوده. وهكذا "عم بتشتي بمونتريال"  تصف الحالة الشعورية العامة واليقين بأن أوقات اللعب و المشاوير بالصندل واكتشاف الشوارع الجانبية والتعرف على أشجار الحديقة العامة وطيورها قد انتهى. وأن الشتاء قادم.

هذه ليست خاطرة

لم أعد احتمله

هذا قرار

الاثنين، 3 أغسطس 2015

المسكين

عليّ أن أحدثك أيها المسكين.  
عن العالم. 
أنت هنا في عزلتك تنقصك الحقائق.  
تنقصك المفاهيم.
هل تعلم؟  أوه لا اعتقد أنك تعلم.  كيف لك ان تعرف ما أقصده،  انت الذي لم يعيش أبداً مع البشر؟
هل تعلم كم يجرحني فقدان أوفيليا؟ أن تلتقي بشخص، تتحدث معه عن ما يقلقك و ما يبهجك؟ تمضي معه في طريق طويل؟ تتوهان؟ هههه، كنا نتوه دوماً.  أوفيليا كانت تتهمني بأني لا أعرف الطرق وأنا كنت أتضايق.  لم أكن أزعجها بالرد على غضبها.  لكني كنت أتضايق.
نعم.  
رحلت اوفيليا كما جاءت. 
فجأة و من دون أدنى تحضير. من جانبي على الاقل.
في بعض الأحيان أصاب بالجزع.  
أشعر بالخواء و بأنني في حلم طويل،  بل كابوس غريب. كابوس بالألوان. ذلك ان أحلامي ليست بالالوان.  اقصد الاحلام الحقيقية تلك التي نراها و نحن نائمون.
هه؟  هل تحلم أنت؟  أنت الساكن هنا في جذع هذه الشجرة؟  المحشور هنا؟ قل لي بربك كيف وصلت إلى هنا؟ و كيف لازلت على قيد الحياة؟
من المؤسف أنك أعمى. كنتُ سأمدّ ذراعي من هذه الحفرة المجوفة بفعل نقّار الخشب و أريك صورة أوفيليا.  لازالت لديّ.  في محفظتي.  لم تكن قبلاً في محفظتي. لم أكن أحب حمل الصور. لكن منذ أن قررَت الرحيل،  أخذت صورتها. قصصتها من بطاقة التأمين الصحي القديمة و حملتها في محفظتي.
هه،  هاهي... و هذه صورة أمي.  قلت لك أني لا أحب حمل الصور لكن هذه الاخيرة أمي كانت تشير عليّ بحملها في محفظتي. قالت ان تداورس ابن اختها يحمل صورة أمه في محفظته.
لقد عشت طويلاً مع أمي،  كنت و لازلت أعاملها برفق.  دوماً عشت مع هاجس أنها سترحل عن هذا العالم و أني لا أريد أن أكون السبب في ذلك.  دوماً عشت مستعداً  لفرضية وفاتها. هي و أبي..  
لم اتخيل و لو للحظة أن أوليفيا هي من سيرحل...
لا إنها لم تمت... لكن ما أصابها هو أصعب من الموت. لقد تغيّرت عنّي،  ابتعدت.
هل تعلم يا مسكين؟  هل تعلم صعوبة ذلك؟
أنت وحيد، نعم.
لكني أنا، أنا متروك. 

الأربعاء، 24 يونيو 2015

مباراة

" كنتِ لازم تعرفي ان الموضوع مش جد من طريقة كلامه بالتلفون.  نبرة صوته كانت بتشي بإحراج بالغ."
كانت تحدث نفسها و هي تتمشي بين موائد الكوفي شوب لتصل لأكثرها عزلة. لم يكن موجوداً بحسب الموعد الذي اتفقا عليه. 

" مش لازم اتأخر اكتر من كده. عيب. "
كان يحث الخطا في المجمع الاستهلاكي الواسع حتى أنه كان قد بدأ يلهث عندما دلف للكوفي شوب و لمحها بعيداً تتأهب للجلوس و قد شدت بيسراها على طرف جاكتها القصير بقماشه المطبوع بورود زهرية. 

" خسارة ما لحقتش اقارن طولها و اشوف جسمها "
ابطأ من حركته و بحركة غير واعية رفع بنطاله ليعدله. 

" اوه الارشيدوق وصل" 
قالتها لنفسها حالما رفعت رأسها و شاهدته يقترب بخطواته السلسة و هو يوظب نظاراته الشمسية في جيبه و ينظر نحوها مباشرة بثقة و كياسة.  كانت هي من اختار الموعد الباكر. فلا خشية من ان يسمع جيران الطاولة الاحاديث الخاصة و لا رهاب ان يستدل عليك احد الاقارب و الاصدقاء الكثر و يفسد عليك الجلسة او ينشر اخبارا غير حقيقية مملؤوة بالظنون و التنبؤات. 

" هي مغرورة.  باين عليها كدا.  و تلاقيها بتدور على حكاية تحكيها لصاحباتها او تنشرها بصفحة غرائب العرسان. اما نشوف يا حيلتها"
مد يده يسلم عليها فبدت للحظة مرتبكة و كأنها لم تتوقع ذلك قبل ان تمد يدها مصافحة بثقة و ابتسامة رسمية سريعة. 

" ايه ده؟ ده بيسلم.. "
ثم و بعد ان استأذنها بالجلوس
" و مؤدب كمان؟ امال اتأخرت ليه يا جنتلمان؟ "
هزت رأسها بخفة متفهمة  لاعتذاره عن التأخير قبل ان تنتبه لتموضع ذراعيها على الطاولة و الذي قد يوحي بأريحية كبيرة تجاهه فسحبتهم بهدوء لتثبّت تهدلاً متخيلاً لحجابها ثم اعتدلت مبتعدة عن الطاولة و قد جذبت ظهرها للخلف مستندة على الكرسي و شبكت يديها في حجرها. 

" مش مغرورة لأ.  شخصيتها قوية.  او ذكية.... بس انفها مش حلو.  كان لازم تعمله عملية. "
رفع ذقنه عاليا و هو يدعوها لشرب شئ و منع بصعوبة نفسه من تكرار الجملة اذ لم يتوقع انها توافق بسرعة و تطلب بثقة شيئا غاليا.  في لقاءاته القليلة مع فتيات بهدف التعارف كان عليه ان يلح و يلح لدرجة انه اخر مرة و بكل شر طلب لنفسه فقط لتذوب الفتاة الخجولة الجالسة مقابله مرارةً و إحساساً  بالخيبة. 

" ايوة يا بيبي انا اموت في البعزقة و بقولك ايه ده انا كمان هاشرب يا دوب شفة و بعدين اقول انه ما عجبنيش... جاي حضرتك تضحك عليا؟ لو مش عاوز تتنيل تتعرف او تتجوز بلاش تستهزأ ببنات الناس"
كان وجهها يزداد حرارة و يديها رجفة و غضبها احتقانا و استجمعت كل قواها لتمنع نفسها من تهزيقه. كان شعورها بأنها وقعت في فخ يزداد مع كل حركة لباقة متصنعة يقوم بها و تزداد إدراكاً انه لم يقبل مقابلتها إلا انصياعاً منه لرغبات خالته، رفيقتها في عضوية مجموعة العمل التطوعي. 

" البنت ديه مش سهلة.  امال عاقلة و لطيفة و روحها حلوة ازاي؟ كده يا خالتو نعمت؟ ده انا كنت حرمت الكلام ده من تحت راس عمايل ماما تقومي تلبسيني بواحدة بايرة و عصبية؟ "
قدم لها الكوكتيل بحركته الرياضية المتناسقة و ابتسامته التي لم تتغير ثم ،و لفتح باب الكلام، بدأ يسألها بتهذيب عن احوالها و شغلها. 

" ايوة.... ابتدينا... الفلوس مش كده؟ شوف يا عم أنا لولا التقاليد اللي بتقول ان الشاب يعزم البنت في أول لقاء كنت دفعتلك ثمن ركنتك و بنزينك كمان... أنا بنت مستقلة و أمي تحلف عليا علشان اقبل منها هدية "
بدأت تستعرض امامه، بأدب و جمل قصيرة تتخللها ابتسامات رقيقة،  دراستها و عملها و تشكره على ثناءه قبل ان تدير دفة الحديث عنه. 

" مش هتاكلي عقلي بشوية الكدب بتاع انجازاتك ده؟  احنا مش في مقابلة شغل... تلاقيكي مفصولة من شغلك و قاعدة في بيتكن تشحتي من اخواتك"
لم يفهم لماذا بدأ حديثه عن طفولته ثم شبابه و عمله. حاول استدراك الخطأ الغريب بجملة كوميدية عن انه مش بيخبي حاجة.  ضحكته كانت اقرب للاستهجان قبل ان يكمل حديثه المنقبض. لكنها ضحكت.  جملته الكوميدية الخفيفة جعلتها تضحك ضحكة خفيفة بدون شياكة لكنها كانت حقيقية.  توقف فجأة و قد بدأ يتفحصها بشكل اكبر و كأنها تنبهت لنظراته عادت بسرعة لجمودها و تمثيلها. 
سألها مباشرة إن كانت ستشرب الكوكتيل أم أن الموضوع بعزقة و خلاص و عندما قفز الشرر لعينيها اللامعتين استدرك و قد مال نحوها ان هناك اختيار ثالث و هو ان تدلقه في وجهه.
عادت تضحك بشكل اكبر هذه المرة و قد اشاحت بوجهها و اخفت فمها بيدها المزينة بخاتم ذهبي صغير وحيد في السبابة. يد طرية ناعمة لم يكن ليصدق انها نفسها اليد التي سلمت عليه قبل قليل بكل ذلك الحزم و الثبات. 

حدثته بوجهها الحقيقي لأول مرة قائلة: « انت فديك الساعة لمن ماتموزيل شيك زيي تدلق عليك كوكتيل متكلف 150 جنيه؟» 
« مش هازعل لو انتي اللي دافعة ثمنه» ردّ عليها بإصرار محموم و كأنه يتمنى فعلاً ان تنفجر في وجهه فتحرقه لكن ردة فعلها كانت اذكى مما توقع. 
« ماشي لو كان الموضوع ده هيقدملك مبرر كافي قدام طنت نعمت لمن تقولها اني مش عجباك» 
كانت تتحدث بثبات و جدية ملفوحة بسخرية قديمة جعلته يندم علي جوابه الغبي غير التكتيكي و يبحث بيأس عن مخرج. 
« أصلي شجاعة و احب مساعدة البائسين» اكملت جملتها و هي تقف بإباء و قد سحبت حقيبتها الصغيرة. 
بقي جالسا و قد اصابه خدر إدراك الخسارة، يحدق بجسدها و يراقب حركتها الخفيفة المدروسة و هي تبتعد خارجة. 

بعد دقائق أدار رأسه عن مدخل الكوفي شوب الفارغ و لملم شتات جلسته:
" رجليها رفيعة "، قال لنفسه محاولا مداراة الفراغ الذي احاط به فجأة ثم سحب كأس الكوكتيل و بدأ يرتشفه ملكوماً. 

الثلاثاء، 26 مايو 2015

الذيب

لم تبدو على وجهه اي علامة على الاندهاش لذا تخيلت انه كان يراقبها منذ دخلت الشارع. ابتعد عن الباب متجها للصالة و قد رفع ذراعه قليلا كأنه يدعوها للدخول. 
" لا زال يحتفظ بهذه البيجاما " قالت في نفسها.
لم تكن لتزوره لولا ان ابنها اخبرها عن مرض ابيه. وجدت من الكياسة أن تعوده و تتمنى له الصحة. وضعت أصيص النبتة الخضراء الصغيرة على طاولة الصالون المنخفضة  لكنها لم تجلس. كان هو في المطبخ يعد الشاي. عندما عاد للظهور و في يده كوب قدمه لها، جاءتها ذكرى الايام الماضية حيث كان يحضر الشاي لها، معه، بعد الغداء و يقدمه لها بينما كانت هي تقلب في كتبها. 
" إياك ان تسمحي له بشدك للعبة المجنونة التي يلعبها، كانت تقول لنفسها و هو تنظر إليه ببرود، هذا الاسلوب البغيض الذي ما فتأ يستعمله و يكرره في كل حروبه . اسلوب المخنثين ممن يدعون انفسهم بالفرسان، بالضحايا، بشهداء الحب. لم يحبك يوماُ."

كان عليها ايجاد شئ تقوله, شئ يبدو حياديا لكن محمل برغبة في المساعدة. كان سيرفض كالعادة فهو ليس سوى تيس عنيد يرفع ذقنه عاليا كأنه يترفع عن النظر لمن هم حوله. ينفخ صدره كالمقاتلين و يحرك كفيه المفتوحين و كأنه يخشى التقاط احدى ميكروباتك. توقُعها لكل تصرفاته و اقواله و تحركاته اوقعها في فخ الصمت. كانت تقرأه و تتوقع تصرفاته و لم تكن التغييرات التي نقلها اليها ابنها سوى محاولة منه, من الاب, للمراوغة و ذر الرماد في العيون. 
خرجت بعد اقل من عشر دقائق متجهة للمكتبة العامة التي لن تغفل عن زيارتها. الكثير من الاشياء تغيرت في المنطقة لكنها لازالت تشعر بفيض من الفرح في كل مرة تزورها. لم تشعر بذات الشئ عندما رأته، كان و لازال طارئا في حياتها رغم كل السنين التي قضوها و الابناء و العمل و العائلة. 
سيقولون انها تخلت عنه. سيقولون انها لم تعتني به. هؤلاء الحمقى يحبون المظاهر الخادعة، يفضلون زوجة خائنة تصتنع الاهتمام بعائلتها و بسخافاتهم التي يرددوها، بامرأة تحضر كل القداديس و الاعياد لكنها تشتم بقبيح الالفاظ، بنتا تهاجم الشباب بعينيها الشبقتين و تقيم العلاقات في الخفاء. لكن ان تصبح امرأة مستقلة ترفض نخاسة الزواج الكنسي و مظاهر الطيبة السخيفة فلا. أرادوها صامتة لا تعكر رؤيتهم السخيفة الطفولية للعالم المثالي حتى لو باعت روحها للشيطان. 
توقفت امام المكتبة محاولة التنفس بعمق: " كفّي عن التفكير في كل ذلك، لا تسمحي له و لهم بتسميم حياتك، انظري دوما لنفسك، كوني ذئبا مع الخواريف المخصية و التيوس العنيدة."
رفعت رأسها تستقبل النسيم العليل ثم شدتها لافتة لمكتب مستشار قانوني. ابتسمت ثم اتجهت نحوه. 
" اعتقد انه لم يغير وصيته منذ أن قررنا الانفصال."

الاثنين، 25 مايو 2015

حكاية عائلية

"لن أسمع بعد هذا كل تلك الترهات. كل ذلك الألم المصاحب للخوف من الآتي. لقد ذهبوا بكوابيسهم لتبقى وجوههم معلقة في زوايا الرأس، أتعثر بها و أجفل، فتذهب عني أفكاري و يلازمني الهمّ."

في كافيه "شتورة" الصغير الواقع على شارع الكوت فيرتوه في غرب مدينة مونتريال, اجتمعت نائلة بصديقتها و قريبتها لطيفة و تبادلت السيداتان التي قارب عمرهما الستين أطراف الحديث مع فنجان قهوة تركي، كما يسميه الغربيون متواطئين بذلك في أكبر سرقة تراثية لمجتمعات الشام، قبل ان تبدأ نائلة بمزاولة عملها من تنظيف وتوظيب للمقهى. المقهي كان لابنتها و زوجها قبل ان يبيعه هذا الاخير بسبب مرضه و لتبقى هي تعمل فيه صباحاً في محاولة لكسب القليل من المال وكشرط من شروط الصفقة قبل ان يتطور الامر ليترك لها فارس، صاحب المقهي الجديد، المكان بقذارته لتفهم من ذلك ان بقاءها بعد مضي سنة مرهون بقيامها بأعمال اضافية. 

- ما الذي كان عليّ فعله؟ هاه يا لولو؟ قولي لي بربك؟
- خلصينا من هالقصة.

هكذا كانت لطيفة تنهي الحوار المعتاد قبل ان تبدأ بالتقليب في منشورات الاعلانات التجارية. ركزتا على تلك الخاصة بالمحلات العربية وتناقشتا حول اسعار الفول الاخضر و البازلاء، قدمت لطيفة تقرير أخير عن حالتها الصحية المعقدة ثم تناقشتا سريعاً حول أخر الأخبار.
كانت الساعة تقترب من الثانية عشر ظهراً عندما خرجت لطيفة أخيراً وهي تتكأ على عكازها بيمناها وبيسراها تحمل جزدانها و كيس مملوء بأدويتها التي اشترتها تواً من صيدلية خوري التي تقع في الشارع ذاته. أشعة الشمس القوية رغم برودة الجو تنعش عظامها المتكلسة وتسرقها قليلاً من أشباحها، الصبا الواعد، الزواج والخيبة، الحرب والهروب الكبير لكندا، البنتين المستقلتين عنها ومنها، الرجل الذي ابتعد وهي على مشارف الستين والمال القليل. معاش التقاعد الذي سعت إليه طويلاً يكاد يسد نفقاتها القليلة و ما كانت تحلم به من راحة مستحقة بعد كل الكدح والعمل لم يكن من الراحة بشئ. 
قصّت عليها نائلة هذا الصباح كيف ان طوني ابنها الذي يعيش في فرنسا قد قرر فجأة الانفصال عن زوجته الفرنسية. 
- ليه عمل هيك يا ربي؟! المجنون، ألم تقولي لي انه يعمل في البنك الذي يترأسه ابيها؟
- هأ، قالت نائلة هازئة، حظي و نصيبي، قبل انت تضيف وهي تعض على شفتيها، أهبل.

نعم أهبل, رددت لطيفة في نفسها و هي تعاين انعكاس صورتها على زجاج البناء المقابل. امرأة لا تعرفها هذه التي تحمل عصاها و كيس أدويتها. امرأة معدمة ومتعبة كلاجئي مخيم الشياح. كل تلك الدهون والظهر المنحني والوجه المتعب والشعر الاشيب. التدهوّر الأخير لصحتها جعلها تنسى الإعتناء بنفسها وصبغ شعرها. 
تذكرت طلاقها الذي لم يمض عليه عام.
كيف حبست في أعماق روحها كل ذلك الألم طوال تلك السنين قبل ان يتفجر أخيراً في خضم مشاكل بيع بيت العائلة في الرملة؟!

جاءتها صورة طوني المنبثقة من حديث أمه عنه. هذا الانقلاب المنتظر لرجل بلا أخطاء، عيوب أو لحظات عثرة. ما الذي جعله ينقلب فجأة على مستقبله المرصوف بالعلاقات و النجاحات الشخصية؟ على بيته الجميل في إحدى ضواحي مدينة ليون؟ على زوجته مديرة فرع محلي لشركة الجبنة المشهورة؟ 
و ما الذي جعلها هي بالذات تنتظر هذا الحدث و تتوقعه؟
هل قابل طوني، هو أيضاً، شبحاً ما.  خيال مآتة مركون في احدى خبايا الروح. تعثر به فجأة و تطلع إليه في ضوء تجاربه وحياته و واقعه. هل خاف منه؟ هل حاول الهرب؟ أم اقترب و تلمسه؟
 هل كان فزّاعة قماشية حقاً؟ شيئاً ميتاً؟ ام ان الحياة لا تزال تسري في عروقه؟ أغلب الظن انه لم يكن ميتاً. 

توقفت لطيفة مجدداً على طرف الرصيف تنتظر دروها في المرور. الفتاة التي كانت تسير بمحاذاتها لم تتوقف إلا قليلاً مترددة قبل أن تجتاز الشارع مسرعة نحو الرصيف المقابل مما جعل سائق السيارة البيضاء يتمهل و يرفع يده في الهواء معلناً تبرمه من تصرفها الأخرق.
العالم مقسوم لقسمين: أولئك الذين ينتظرون دورهم وألاخرون. لا، لا يا لولو!. هزّت رأسها معترضة. لا أيتها الختيارة البشعة، العالم مقسوم قسمين: أولئك من لا يترددون، لا يترقبون الآتي، و الأخرون.
تعيشين على الطرف الآخر يا لولو، حيث الأخرون. تؤجلين احلامك حسب الظروف، تهربين من الأخيلة الباهتة في نفسك، و تراقبين بصبرٍ مؤلم مرور الأيام.

 في المقهى كانت نائلة ترد على زبونين مستعجلين عندما قطّبت جبينها فجأة ثم سقطت على الارض فاقدةً الوعي.
لن تعرف أبداً أن طوني ابنها قد قرر إعلان مثليته. لن تشاهد الفيديو الذي أنتوى إرساله لإفراد عائلته شارحاً لهم موقفه. لن تسمع معاتباته لرفضها له، لكتمها لحقيقته، لتلوينها صورته : "بلا جلاقة يا طوني، عظام جدك رح ترجف بقبره من هالسيرة". 

الأحد، 10 مايو 2015

صلوات

يا إلهي
لو قُدّر لي أن أولد من جديد
في حياةٍ جديدة
في وجودٍ قادم
أطلب منك أن يكون ذلك في يومٍ صيفي
على سفح هضبة
تحت ظل شجرة توت
أن اتعلم المشي على عشب ربيعٍ يافع
استندُ على حائطٍ طينيٍّ جاف
أراقب صفاً من النمل المثابر

يا رب
امنحني جناحيّ سنونو
فلا أهاب الريح الشديدة
أمنحني جرأته و هو يبني عشه تحت أسقف البشر
أمنحني جنونه و هو يقاتل قطاً يقترب من صغاره